كريم نجيب الأغر
328
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - نفسها تلقي التفصيل على ما يحصل للعظام . فالتعقيب يشير ضمنيا إلى أن مرحلة ثانية لتطور العظام ابتدأت عند كسو اللحم العظام ، وأعقبت خلق العظام البدائية ، أي أن مرحلة أخرى لها مميّزات خاصة تنفرد بها ، سواء أكانت رئيسية ككسو العظام لحما أم ثانوية كظهور مراكز ( تعظم OSSIFICATION ) في الجنين ، أعقبت المرحلة الأولى لتخلق العظام على صورة غضروف ، وبالفعل فإن مراكز التعظّم في الجنين تبدأ بالظهور في الأسبوع الثامن - أي في مرحلة كسو اللحم العظام ( انظر مبحث « التسوية / كسو العظام لحما » - . يقول الدكتور مور : « يبدأ التعظّم في العظام الطويلة في الأسبوع الثامن من التخلق الجنيني ، ويبدأ في ( المراكز الوسطى من العظام DIAPHYSES OF THE BONES ) كمراكز أولية للتعظم » ( كتاب الإنسان النامي ، د . موروبارسو ، ص 420 ) . ومن المهم أن ننوه أن وظيفة « التفصيل بعد الإجمال » لا تتعارض مع السياق القرآني ، من أن تمام خلق العظام يتأخّر إلى ما بعد طور الكساء باللحم ، لأن السياق يتكلّم عن خلق متعاقب ، وتكملة خلق للوصول به إلى درجة الكمال . كذلك فإن هذه الوظيفة تكلّم عنها علماء اللغة حيث أشار إليها الرضي في شرح الكافية ( ق 2 ، م 2 ، ص 1309 ) . وهذه الوظيفة - أي وظيفة التفصيل بعد الإجمال - تتفق مع المعنى الظاهر للآية من خلال التخصيص الذي يشير إليه فعل « كسا » ، والذي أشرنا إليه في شرحنا السابق . وهي تنسجم أيضا مع العلم الكوني ، كما فصلناه في مبحث « التسوية » ، من أن العظام تتأخّر في تمام تخلّقها . ثانيا : إن الآية لا تنفي من الناحية المعنوية أن تخلّق العظام يتم بعد زمان طويل ، بعد أن ابتدأ تخلقه قبل الكساء باللحم ، إن لم تشر إلى استمراريّته ، للأسباب التالية : 1 - إن اللّه تعالى لم يحدد نهاية تخلق العظام بعد ذكر تخلّقها ، كما فعل عند ذكر تخلق العلقة ، وتخلق المضغة ، حيث أشار في قوله تعالى : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً [ المؤمنون : 14 ] إلى انتفاء صورة العلقة بابتداء صورة المضغة ، وانتفاء صورة المضغة بابتداء صورة العظام ، كما يشير إليه معنى فعل « خلق » في اللغة العربية : « أحدثه بعد أن لم يكن » ( انظر مبحث « المضغة / الشكل الداخلي » ) . وذلك أن الآية تفيد أن صورة جديدة حلّت محلّ صورة قديمة في حال العلقة والمضغة ، وكأن النص القرآني يقول : ثمّ حوّلنا طبيعة ( أو صورة ) العلقة إلى مضغة ، ومن ثمّ حوّلنا طبيعة ( أو صورة ) المضغة إلى عظام - باقية في التطور - ، يكسوها اللحم - أثناء تطوّرها - . 2 - إن الأنموذج الغضروفي يعتبر هيكلا عظميا لصلابته بالنسبة للمضغة اللينة التي سبقت ظهوره ، كما يشير إليه معنى كلمة « عظم » الذي أشرنا إليه سابقا في المبحث ، فهذه حقيقة لغوية ، أما بالنسبة لاكتمال تخلّقه في المراحل المتأخّرة ، أي بالنسبة لتعظّمه فيما بعد فهو ليّن ، وبالتالي فلا يشير معنى الآية من هذا المنظار إلى حقيقة علمية . غير أنه من المهم أن ننوّه أنه من الأولى أن ننظر إلى تخلّق العظام بالنسبة للطور الذي سبقه ، لا إلى الذي سيصير إليه ، نظرا لوظيفة حرف « الفاء » : « الترتيب والتعقيب » كما أشرنا إليه سابقا في المبحث . ومع ذلك فإن معنى الآية لا يتعارض مع الحقائق العلمية إذا نظرنا -